تواضروس الثاني بطريرك جديد للأقباط الأرثوذكس
مايو 22, 2026صلاة يسوع فى التقليد القبطى
مايو 22, 2026دونالد مالكولم ريد، الاكتشافات الاثرية، والتحول الاجتماعي، وأثرهما على الهوية الحديثة للأقباط (1854–1952)
Reid, Donald Malcolm. 1995. “Archeology, Social Reform, and Modern Identity Among the Copts (1854–1952).” In Entre réforme sociale et mouvement national: Identité et modernisation en Égypte (1882–1962), edited by Alain Roussillon, 311–335. Cairo: CEDEJ. https://doi.org/10.4000/books.cedej.1422.
دراسة قام بها الباحث فى العلاقة بين علم الآثار والإصلاح الاجتماعي، متخذًا من المجتمع القبطي نموذجًا للدراسة، فعلى الأقل عند الأقباط، لم يكن رواد علم الآثار الحديث هاربين إلى ماضٍ ميت لا علاقة له بالحاضر، بل كانوا ثمرةً للإصلاح الاجتماعي ومروجين رئيسيين له، تركز هذه الورقة البحثية على شخصيتين رائدتين في مجالي الآثار والإصلاح الاجتماعي: مرقس سميكة (1864-1944)، مؤسس المتحف القبطي، وميريت بطرس غالي (1908-1992)، مؤسس جمعية الاثار القبطية، وقد خُصّ سميكة بمساحة أوسع من البحث نظرًا لإتاحة مذكراته غير المنشورة مؤخرًا، ولأن حياته تكاد تغطي القرن كله، وتشمل المصادر الأخرى مقابلات شخصية وتقارير “لجنة حفظ الآثار العربية” و”جمعية الاثار القبطية”، ورغم أن هذه النشرات معروفة لدى مؤرخي الفن والعمارة، إلا أنها لم تُستغل كمصادر لدراسة التاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي لمصر الحديثة.
بدأت أول موجة من الإصلاح الاجتماعي القبطي عام 1854، أي قبل ولادة مرقس سميكة بعشر سنوات، بقيادة البطريرك كيرلس الرابع (1854-1861)، الذي تولى السدة البطريركية في نفس السنة التي حكم فيها سعيد باشا (1854-1863)، وعُرف بلقب “أبو الإصلاح”، لكن إصلاحات محمد علي (1805-1848) وخلفائه كان لها التأثير الأكبر عليه؛ إذ ألغى محمد علي قيود اللباس على الأقليات، وألغى سعيد الجزية وأدخلهم الخدمة العسكرية، وبينما إصلاحات محمد علي التي تمثلت في جيشه الجديد، مدارسه العليا، بعثاته إلى أوروبا، ديوان الترجمة، المطبعة، والجريدة الرسمية، استثنت الأقباط من كل هذا، سعى الأنبا كيرلس إلى إدخال إصلاحاته الخاصة، فجلب مطبعة من إنجلترا (لم تُستخدم إلا بعد وفاته)، لكن أعظم إنجازات الأنبا كيرلس الرابع كان تأسيس المدرسة البطريركية (مدرسة الأقباط الكبرى)، إذ رفض سعيد التماس البطريرك للسماح بقبول الأقباط في المدارس الحكومية أو ضمهم إلى سلك الضباط حتى ذلك الوقت، كانت نهاية التعليم القبطي الرسمي تنتهى عند الكُتّاب، حيث يتعلم الصغار القراءة والكتابة بالقبطية والعربية من الكتاب المقدس، مع بعض مبادئ الحساب؛ ولم يكن للأقباط مؤسسة شبيهة بالأزهر، لم يحتاج سميكة إلا إلى السير مسافة مئتي متر فقط في شارع الدرب الواسع (الأزبكية) من بيت جده للوصول إلى المدرسة البطريركية، الملاصقة لكاتدرائية مار مرقس والبطريركية (الأزبكية)، وقد شكّلت هذه المدرسة جيلًا كاملًا من نخبة الأقباط العلمانيين، قبل أن تنتشر المدارس التبشيرية والحكومية وتفتح أبواب التعليم أمام الأقباط، وكان سميكة يفاخر بأن مدرسته أنجبت ثلاثة رؤساء وزراء أقباط، ومن أبرز خريجيها أيضًا: قليني فهمي، ميخائيل شاروبيم، ميخائيل عبد السيد، وإقلاديوس لبيب.
عائلة سميكة كانت من النخبة الحضرية التي ازدهرت في خدمة الدولة والكنيسة، فجده لأمه كان سكرتيرًا لإبراهيم باشا في دمشق في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، حيث وُلدت أمه، أما أسرة والده فقد تبرعت بمخطوطات وذخائر لكنيسة المعلقة، كانت المدرسة البطريركية مجانية ومفتوحة لجميع الأديان، لكن معظم طلابها كانوا من أسر قبطية ميسورة مثل أسرة سميكة، درس الفتى العربية والقبطية واليونانية
أصبح بطرس غالي – وهو وجه شاب صاعد – في 1874 نائبًا لرئيس المجلس الملي تحت رئاسة البطريرك، كانت مثل هذه المجالس العلمانية رائجة في ذلك الوقت؛ إذ أنشأ العثمانيون مجالس للطوائف الأرمنية واليونانية الأرثوذكسية واليهودية في ستينيات القرن التاسع عشر، وأصدروا دستورًا وبرلمانًا عام 1876، كما أسس إسماعيل “مجلس شورى النواب” عام 1866، وكان من أعضائه أقباط.
مهّدت حملة بونابرت وفك شامبليون لرموز الهيروغليفية الطريق لقيام علم المصريات في الغرب، وفي عام 1858، رسّخ مارييت هذا العلم في مصر عندما منحه سعيد باشا الإذن بتأسيس مصلحة الآثار والمتحف المصري، ظل الأجانب يهيمنون على هاتين المؤسستين حتى عشرينيات القرن العشرين، حين سمح الاستقلال الجزئي للمصريين بدخول مجال علم المصريات، وعلى خلاف الهيروغليفية، فإن اللغة القبطية كانت اللغة الطقسية للكنيسة القبطية، ولم تكن بحاجة إلى فك رموز على يد الأوروبيين، وفّرت المدرسة البطريركية والكلية الإكليريكية أماكن لدراسة القبطية بعد مستوى الكُتّاب، استخدم سميكة اثناء دراسته في المدرسة نسخة من العهد الجديد القبطي-العربي، وكان معلّمه “برسوم الراهب” الذى ألّف أول نحو حديث للقبطية بالعربية، أما أقلديوس لبيب (1868-1918)، عالم المصريات والقبطيات، وكان يصغر سميكة بأربع سنوات، فقد بدأ هو الآخر دراسته في المدرسة البطريركية، ويشير الاسم الفرعوني الهيليني لطالب أصغر سنًا من زملائه وهو سيسوستريس سيداروس، إلى أن والديه كان لديهما اهتمامات كلاسيكية أو مصرية قديمة.
أفاد إتقان سميكة للغة الإنجليزية – وهو في الثامنة عشرة من عمره – حين احتل البريطانيون مصر حيث بدأ عام 1883 مسيرته المهنية في سكك حديد الدولة. ولم يكن اختياره غريبًا؛ إذ كان 48% من موظفي السكك الحديدية والبرق عام 1911 من الأقباط، لعب بطرس غالي – الذي أصبح آنذاك باشا ووكيل وزارة العدل – دورًا محوريًا من جديد، كان قد درس في مدرسة الأمير فاضل (التي كان يعمل والده في أملاكها)، ثم في مدرسة البابا كيرلس الرابع بحارة السقايين، ومدرسة اللغات الحكومية، وكان يتقن التركية والعربية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية، ما مكّنه من التوسط بين الدولة والأقباط، وبين البريطانيين والمصريين، وقد اشترى غالي أملاكًا ملكية في إنشاص بالشرقية، وخدم في مجلس الوزراء منذ 1893 حتى اغتياله عام 1910.
خلف ماسبيرو (1881-1886، 1899-1914) مارييت في إدارة الآثار، وخصّص قاعة في المتحف المصري للآثار القبطية، وخلال فترته الثانية بدأت أول حفريات علمية للمواقع القبطية، غير أنّ سومرز كلارك (أحد علماء الاثار) وصف صورة أكثر قتامة بين ولايتَي ماسبيرو: “كان الموقف الذهني لعلماء المصريات تجاه أي دراسة للآثار المصرية – خارج مسارهم الخاص – غير علمي ومحبط في آن. فقد كان مدير عام الآثار مذنبًا بالقسوة وبممارسات وحشية لا داعي لها إطلاقًا في مدينة هابو، إذ إن إحدى ساحات هذا البناء الضخم والمهيب كانت قد تحولت في زمن بعيد إلى كنيسة؛ أُقيمت أعمدة حجرية ضخمة، وشُيّد حنية لاستقبال المذبح، لكن هذه الصفحة من التاريخ لم ترُق لذلك المدير العام، فقرر إزالة كل الشواهد. وبجهد ونفقة كبيرين، سُحبت الأعمدة، أي انه أهمل في الحفاظ على الاثار القبطية مركزا فقط على الاثار المصرية القديمة، ولم يكتفِ بذلك بل لم تُنشر أي مخططات أو رسومات أو ملاحظات، ولنعرف اليوم كيف حاولت الجماعة المسيحية أن تعيد ترتيب الساحة لتناسب استخدامها، علينا الرجوع إلى مخطط في كتاب وصف مصر Description de l’Egypte “
كان على سيمَيْكة أن يواجه تحديات جسيمة، فمنذ صغره أحب زيارة المتحف المصري، والجيزة، وسقارة، ومساجد القاهرة وكنائسها، وقد تعلم عن آثار بلاده من فهارس الاثار التي نشرها بعض العلماء، وكتب يقول: “مع أنّ ذلك مؤلم لمشاعري الوطنية، إلا أنني أعترف أننا مدينون للأوروبيين، وخاصة الفرنسيين، باكتشاف هذه الآثار ودراستها العلمية وترميمها.” وفي عام 1890 زار سيمَيْكة الفريد بتلر – الذي كان قد شكر شقيقه على مساعدته في كتابه “الكنائس القبطية القديمة” – في أكسفورد، وهناك عرّفه بتلر على عالم الاثار سومرز كلارك، المعماري الذي رمم كاتدرائيات إنجلترا ثم تقاعد في مصر وكتب كتاب “الآثار المسيحية في وادي النيل” عام (1912) وقد حذّرسيمَيْكة من أن الأعيان كانوا يستبدلون الكنائس القديمة بمبانٍ “بلا ذوق” على الطراز اليوناني الحديث مزينة بالرخام الإيطالي، وفي ربيع 1891 أطلع سيمَيْكة اللورد كرومر (إيفلين بارنغ) على حالة كنائس القاهرة وحثّه على إيكال مهمة صيانتها إلى لجنة حفظ الآثار العربية (المعروفة بـ “اللجنة”)، وبعد أعوام، أهدى سيمَيْكة دليله عن المتحف القبطي لبتلر، شاكرًا إياه على إلهامه في إشراك اللجنة وتأسيس المتحف.
كان الخديوي توفيق قد أنشأ اللجنة (لجنة حفظ الاثار العربية) عام 1881 بضغط من هواة الفن العربي (الإسلامي) من الأوروبيين، وفي 1894 اقترحت اللجنة أن تتولى رعاية الكنائس والأديرة القبطية، وبعد عامين عرضت إنفاق 2000 جنيه مصري من أموال الدولة عليها بشرط مساهمة الكنيسة، وقد وافق البطريرك، ثم انضم وزير الأشغال العامة حسين فخري، والأوروبيون المتنفذون، واثنان من الأرمن الى اللجنة، وأصدروا قرارًا بإضافة عضوين قبطيين، عارض بعض أعضاء اللجنة بحجة إن واحدًا يكفي للتمثيل عن الاقباط، أما اقتراح أحد الأوروبيين بتغيير اسم اللجنة إلى لجنة حفظ الآثار العربية والقبطية فقد عُدّ مبالغة وتم رفضه، وكان سميكة كثيرًا ما ينضم إلى سومرز كلارك (عضو شرف في اللجنة) والمهندس ماكس هرتس لتقديم مقترحات لترميم الآثار القبطية.
كما استيقظ علمانيون آخرون من جيل سميكة من جراء الاطلاع على ماضي الاقباط، فمحرر جريدة مصر تادرس شنودة أسس في أسيوط في ثمانينيات القرن التاسع عشر جمعية حفظ التاريخ القبطي، وترجم كتاب بوتشر “تاريخ الكنيسة في مصر” إلى العربية، وكتب ميخائيل شَاروبيم تاريخ مصر القديمة والحديثة في أربعة مجلدات، بدأه بنسب المصريين إلى نوح ثم انتقل سريعًا إلى أرضية تاريخية أكثر صلابة مع الأسرة الأولى وسار قُدمًا، أما إقلاديوس لبيب، فقد تعلم القبطية في المدرسة البطريركية، والهِيْرُوغليفية أثناء عمله في مصلحة الآثار، لكن خلفاء ماسبيرو بعد 1886 ثبّطوا عزائم المصريين الطامحين إلى أن يصبحوا علماء مصريات، فترك الخدمة عام 1892 ليُدرّس، وبصفته أستاذ القبطية في الكلية الإكليريكية، نشر كتبًا دينية قبطية وعربية للبطريرك، وبدأ معجمًا قبطيًا، وأصدر مجلة قبطية عربية باسم عين شمس عام 1900، (حتى أنه سمّى أبناءه الستة بأسماء فرعونية، وألزمهم باستخدام القبطية في البيت).
من ناحية أخرى، انضما واصف بك ومرقس حنا لحزب مصطفى كامل الوطني، وفخري عبد النور وسينوت حنا لحزب الأمة لأحمد لطفي السيد، حيث أكد كلا الزعيمين أن المسلمين والأقباط أمة واحدة، انتقل سميكة من الإصلاح الطائفي إلى السياسة الوطنية عضوًا معينًا في المجلس التشريعي (1906–1913) والجمعية التشريعية (1914)، وكان من زملائه الأقباط قليني فهمي، وسنوت حنا، وكامل صدقي، وجميعهم أصبحوا لاحقًا وفديين، وبالقرب من الحرب العالمية الأولى مُنح لقب باشا.
وأصبح القول إن الأقباط هم “أبناء الفراعنة المعاصرون” أمرًا شائعًا في كتابات الأوروبيين، وقد دعم علماء الآثار أمثال ماسبيرو وفلندرز بتري وآرثر سايس هذا الفهم علميًا. بل إن بتري وسايس ذهبا إلى حد خطير بالقول إن الأقباط وحدهم يملكون القدرة على قيادة مصر الحديثة إلى الأمام، أليست كلمة “قبط” نفسها مشتقة من كلمة “إيجيبت”؟ ألم يُثبت شامبليون أن القبطية ليست إلا المرحلة الأحدث من اللغة المصرية القديمة؟ كان الحماس لعلم المصريات (Egyptology) و”القبطيات” (Coptology) لدى العلمانيين الأقباط على الأقل، يسيران جنبًا إلى جنب، وكلاهما انساب بسهولة إلى الوطنية المصرية العامة، خطوة أخرى قرّبت الأقباط والمسلمين بوصفهم أمة واحدة، فقد قال سميكه إن معظم المسلمين المصريين من أصول قبطية، وإن “كل المسلمين المستنيرين” ـ مستشهدًا بقاسم أمين ـ يوافقون على ذلك، بل أعلن لاحقًا أن جميع المصريين أقباط؛ فبعضهم مسلمون والبعض الآخر مسيحيون، لكنهم جميعًا ينحدرون من المصريين القدماء.
وكما حدث مع الطهطاوي قبل ثمانين عامًا، اكتشف الكاتب القبطي سلامة موسى جذوره الفرعونية المفترضة أثناء وجوده في أوروبا؛ فحين عجز عن الإجابة عن أسئلة تتعلق بمصر القديمة، عاد مسرعًا إلى بلاده وانطلق في جولة في صعيد مصر، وتذكر الرواية العائلية أن مكرم عبيد بدأ اهتمامه بعلم المصريات أثناء وجوده في فرنسا، ومع مشاركة مسلمين مثل أحمد لطفي السيد، ورائد علم المصريات أحمد كمال، في تعزيز الهوية بالانتماء إلى الفراعنة، أصبح المسرح مهيأً لحركة “الفرعونية” السياسية والفنية والأدبية بعد الحرب العالمية الأولى، وتدل عناوين الصحف والمجلات القبطية على هذا الاهتمام المتنامي بالآثار القديمة. فقد سبق الإخوة تقيلا، وهم مسيحيون سوريون، إلى إطلاق اسم “الأهرام” (1876)، لكن عناوين مثل “الوطن” (1877) و”مصر” أظهرت النزعة الوطنية الإقليمية الناشئة، أما الصحف القبطية فقد اتخذت أسماء فرعونية مباشرة: “رعمسيس” (1893)، “فرعون” (1900)، “عين شمس” (1900) و”الآثار المصرية” (1909) لإقلاديوس لبيب، ثم “رعمسيس” آخر عام 1911.
كان متحف الأقباط آخر حلقة في سلسلة متصلة من تاريخ مصر، من المتحف المصري والمتحف اليوناني-الروماني إلى متحف الفن العربي (الاسلامى)، كانت المتاحف الثلاثة الأخرى متاحف حكومية أسسها الأوروبيون بمبادرتهم، لكن متحف الأقباط أسسه مصري، وكان تابعًا للكنيسة لا للدولة، تعود الفكرة على الأقل إلى عام 1897، حين اقترح ماكس هرتس، مهندس لجنة حفظ الآثار، أن تُجمع التيجان المزخرفة وغيرها من الآثار القبطية المهملة التي كان يشاهدها أثناء تفتيشه الكنائس، لتكون نواة لمتحف بعد استئذان البطريرك، قال حينها: “للفن العربي متحفه، أما الفن القبطي فما يزال ينتظر متحفه”. ومن غير الواضح هل تبلورت هذه المجموعة قبل عام 1908، وقد وجد المتحف موقعًا تاريخيًا بامتياز: بجوار الكنيسة المعلّقة في مصر القديمة (الفسطاط)، وعلى مقربة من كنيسة أبي سرجة ـ حيث لجأت العائلة المقدسة في مصر ـ وغيرها من الكنائس، وبالتفويض البطريركي، جاب سميكه الكنائس والأديرة والخرائب “من رشيد إلى الخرطوم”، يدفع للكنيسة ثمنًا رمزيًا للأشياء التي يختارها، ولم يأتِ أي تمويل من الكنيسة ذاتها، بل شارك الوجهاء العلمانيون، وأحيانًا بعض الإكليروس، فضلًا عن السلطان حسين كامل المستقبلي فيما بعد، وعدد من الوزراء والمستشارين البريطانيين، وزملاء سميكه في المجلس التشريعي، كما ساهمت الدولة بمعونة سنوية مقدارها 200 جنيه مصري، ثم ارتفعت إلى 300 جنيه سنة 1918، و1000 جنيه سنة 1925، و1500 جنيه سنة 1930.
وسرعان ما أصبح المتحف المتواضع بؤرة لفخر الأقباط ورمزًا لعناية حكّام مصر المسلمين برعاياهم الأقباط، ففي عام 1910 شجب الرئيس الأميركي الأسبق ثيودور روزفلت اغتيال بطرس غالي، وهاجم القوميين، وأشاد بالبريطانيين في خطابه بالجامعة المصرية، وقد شكره أعيان الأقباط بدعوته إلى المتحف، واقترح قليني فهمي، في إشارة إلى موقفه من الآثار، إهداء روزفلت أثمن مخطوطة، لكن سميكه أحبط الفكرة فورًا، وفي عام 1923 زار الملك فؤاد المتحف بصحبة الملك فيكتور عمانويل الثالث وزوجته، كانت القضية السياسية الأساسية المرتبطة بمتحف الأقباط خلال فترة ما بين الحربين هي ما إذا كان ينبغي للدولة أن تستحوذ على هذه المؤسسة، فقد قدم الملك فؤاد رعاية ثقافية فاخرة في محاولته لبناء ملكية قوية في الفراغ السياسي الذي تركته إنجلترا بعد عام 1922، انتهز كل فرصة ممكنة لرعاية المتاحف، والمؤتمرات الدولية، ومشروعات النشر، والجمعيات الثقافية والخيرية، وكان متحف الأقباط سيمثل عرضًا إضافيًا لتقدم مصر الثقافي تحت رعايته المستنيرة، ومن الجانب القبطي، كان على الأطراف الثلاثة المعنية — سميكة، والبابا البطريرك، والمجلس الملي — أن يوازنوا بين تكاليف وفوائد التأميم، فالإبقاء على المتحف تحت سلطة الكنيسة كان يتماشى مع التفكير القديم على نمط “الملة”، أما تأميمه فكان يتوافق مع الاعتقاد بأن الدولة ينبغي أن تعامل الأقباط كمواطنين أفراد مثل غيرهم ، جاءت الخطوة الأولى للملك فؤاد مع زيارة ملكية للمتحف عام 1920، فقد تبرع بمبلغ 500 جنيه مصري ودعا حاشيته للمساهمة، فجمعت التبرعات أكثر من 2000 جنيه — وهو مبلغ ضخم مقارنة بدخل المتحف الكلي خلال السنوات العشر السابقة والذي لم يتجاوز 3680 جنيهًا.
ومع تزايد نفاد صبر فؤاد، صرخ بسميكة أثناء جولة له مع الملك ألبرت الأول ملك بلجيكا في المتحف عام 1930: «الدولة فوق الأفراد، فلماذا لا تسلّم المتحف كما طلبت منك؟”، كان سميكة يعرف كيف يساوم، ففي عام 1928 ضغط على البرلمان لتخصيص 40 ألف جنيه لتمويل ترميمات لجنة حفظ الآثار بمسجد ابن طولون، ثم أضاف بدهاء طلبًا بمبلغ 4000 جنيه لإصلاح سقف كنيسة الشهيدة بربارة الذي انهار، لكن وزير المالية محمد محمود اعترض، فدعا سميكة وزير المواصلات مكرم عبيد — الذي لم يكن يهتم عادة بالآثار ولا بشؤون الأقباط — لزيارة المتحف القبطي، وبعد الجولة تبرع عبيد بعشرة جنيهات، لكن سميكة رفض قبولها طالبًا منه بدلًا من ذلك أن يستخدم نفوذه للحصول على موافقة بتخصيص مبلغ 4000 جنيه، وقد فعل الوزير ذلك بالفعل، ونفذت اللجنة الإصلاحات.
حصل سميكة ومعاونه يسّى عبد المسيح (خريج الكلية الإكليريكية) على دعم البطريرك في حفظ مخطوطات الأديرة، فقد خصصا غرفة في كل دير لتكون مكتبة، ووضعا الراهب «الأكثر اعلما» للإشراف عليها، ورتبا المخطوطات على الأرفف، ثم نشرا الفهارس، وفي عام 1931، استحوذت مصلحة الآثار أخيرًا على متحف الأقباط، فحصل الملك على جائزته الثقافية، وحصل الأنبا يؤانس على التزام بالحفاظ على حقوق أوقاف الكنيسة وحق تسمية أربعة موظفين بالمتحف، فيما تأكد تعيين سميكة أمينًا للمتحف، وحصل على تمويل لبناء جناح جديد، ثم عمل لاحقًا على نقل المواد القبطية من المتحف المصري، وإذا كان سميكة والملك فؤاد والبطريرك ورئيس الوزراء إسماعيل صدقي قد أبدوا رضاهم، فإن المجلس الملي لم يكن كذلك، فقد طالب المجلس بحقه في المشاركة في تعيينات المتحف، حتى أنه أغلق المتحف ونقل سجلاته بعيدًا، لكن رئيس الوزراء صدقي لم يكن من أصحاب أنصاف الحلول، فأرسل شاحنة جنود، وغيّر الأقفال، وأعاد سميكة إلى منصبه، وجاءت زيارة صدقي للمتحف في يناير 1932 رمزًا لاستكمال عملية النقل، أحب سميكة هذا الترتيب الجديد، رغم أن افتتاح الجناح الجديد تأجل إلى ما بعد وفاته، حيث أزيح الستار عن تمثال نصفي له بالمناسبة، وقد كان الملك فؤاد ليتلذذ بالحضور لينال التصفيق بنفسه لو كان مازال موجودا، لكن الملك فاروق أرسل من ينوب عنه.
في العام الذي بلغ فيه مرقس سميكة السبعين من عمره (1934)، انضم ميريت غالي ذو الستة والعشرين عامًا مع أصدقائه إلى قضية الآثار القبطية. كان غالي هو الروح المحركة وراء تأسيس جمعية أصدقاء الفن القبطي، التي تحولت سريعًا إلى جمعية الآثار القبطية، وكما كان الحال مع سميكة، رأى غالي أن الآثار القبطية والإصلاح الاجتماعي – أي المجد الماضي والتغيير الضروري للنهضة الحديثة – مترابطان ضمنيًا: “إنها لفأل حسن أن يتزامن بدء عهد ملكنا النبيل مع فجر استقلالنا الوطني بعد قرون من الترقب، إن عهد فاروق الأول هو الصلة الرابطة بين عظمة مصر القديمة وآمالنا التي نعقدها على مصر الحديثة، “كان غالي، بصفته مالكًا للأراضي وله استثمارات صناعية ومنحدرًا من عائلة شهيرة، بعيدًا عن أي توجه راديكالي، فعمّه الأكبر كان رئيس الوزراء المغتال، ووالده نجيب باشا وزيرًا وعضوًا في الحكومة، وعمه واصف بطرس غالي – الذي كتب الشعر بالفرنسية – وزير الخارجية الدائم لحزب الوفد حتى عام 1937، أما الأمين العام الحالي للأمم المتحدة فهو ابن عمه (د. بطرس بطرس غالى)، وُلِد ميريت غالي سنة 1908، نال شهادة في القانون من فرنسا، وتزوج من سويسرية، ونال لقب “بيه”، وانتُخب مرتين في البرلمان، كما انضم إلى كل الأندية الأرستقراطية البارزة: الجزيرة الرياضي، محمد علي، النادي الملكي للسيارات، الصيد، والمبارزة.
ومع ذلك، كان أرستقراطيًا ذا ضمير – أو على الأقل واقعيًا سياسيًا، فبعد أن بلغ سن الرشد خلال فترة الكساد الكبير، كان هو ورفاقه يمثلون الجناح الشاب الإصلاحي في الطبقة العليا، في عام 1938 عرض غالي أفكاره في كتاب “سياسة الغد“، الذي أهداه إلى صديقه إبراهيم بيومي مدكور، أصبح الكتاب منطلقًا لبرنامج المحاضرات والنشر الخاص بـ جمعية النهضة القومية (1944–1949). كان من بين أعضائها غالي ومدكور وعدد من المسلمين والأقباط، على صلة بأحمد لطفي السيد وبهي الدين بركات وبعض السياسيين السعديين، وإن لم ينضموا إلى “الجبهة المصرية” لعلي ماهر، دعا غالي إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لنزع فتيل الأزمة الاجتماعية-الاقتصادية المتصاعدة التي رآها تهدد النظام القائم، فقد كان “بضع عشرات من الأسر” تعيش في ترف بينما الغالبية غارقة في الفقر، وكان التعليم والزراعة والصحة والصناعة والإسكان كلها بحاجة إلى معالجة عاجلة، وبعد توقيع معاهدة 1936 مع بريطانيا وحسم المسألة الوطنية، ضيّع الوفد الفرصة في التصدي المباشر للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وفي عام 1944، عاينت زوجته جيرترود البؤس الريفي بنفسها متطوعةً في حملة مكافحة وباء الملاريا في صعيد مصر، مع زوجات سياسيين أرستقراطيين مناوئين للوفد، في وقت حاولت فيه حكومة الوفد التكتم على الوباء.
وبحلول عام 1947، اعتقد غالي أن العمال والموظفين الصغار وجيل الشباب من مختلف الطبقات باتوا يعتبرون إعادة توزيع الثروة القومية أمرًا لا مفر منه، ورأى أن ضريبة الدخل التصاعدية يمكن أن تسهم في تفكيك الملكيات الزراعية الكبرى التي تتجاوز 100 فدان، باعتبار ذلك الحد الأقصى المناسب، أما الحد الأدنى اللازم لإعالة أسرة فلاحين فقدّره بثلاثة أفدنة، كما دعا إلى أن تكون إعفاءات الضرائب لتشجيع استصلاح الأراضي محدودة بعشرين عامًا فقط، وأن يُلغى نظام الأوقاف الأهلية، وقد كان على وعي بأن مجرد اقتراح تحديد سقف لامتلاك الأراضي (باستثناء الميراث) كلف أحد الشيوخ مقعده عام 1944، لكنه كان يأمل أن خطر اندلاع اضطرابات قد يدفع البرلمان للتجاوب، ومع أن نقده لإساءة الإدارة كان لاذعًا، ظل غالي يحمل شكوك الليبراليين في القرن التاسع عشر إزاء تدخل الدولة في الاقتصاد، معتمدًا بالأساس على المبادرة الفردية المصرية والأجنبية، ساهم غالي في وضع إصلاح الأراضي على جدول الأعمال الوطني، وكاد أن يحظى بفرصة لتطبيق أفكاره بين يوليو وسبتمبر 1952، فقد أصبح وزيرًا للشؤون البلدية والريفية في وزارة الهلالي (22 يوليو 1952)، لكن الضباط الأحرار أطاحوا بالنظام في اليوم التالي، ورغم استدعائه للتشاور حول الإصلاح الزراعي، فإن مقترحاته – التي كانت تعتبر “راديكالية” قبل فترة وجيزة – صارت الآن “محافظة” جدًا، فاتجه ناصر إلى الاقتصادي رشاد البرواي الذي صاغ قانون الإصلاح الزراعي في سبتمبر 1952 محددًا سقف الملكية الزراعية بـ 200 فدان، وفي 6 سبتمبر دخل غالي الوزارة مجددًا (للشؤون الريفية) مع إبراهيم مدكور، لكن رئيس الوزراء علي ماهر كان قد أبدى ميوله باقتراح حد أقصى 500 فدان، فدفعه الضباط الأحرار للاستقالة في 7 سبتمبر ليفسح المجال لوزارة اللواء محمد نجيب.
وعلى الرغم من اهتمام غالي بالشأن القبطي، فقد انخرط انخراطًا كاملًا في القضايا الوطنية، غير أنه مع تصاعد الطابع الإسلامي في السياسة الوطنية خلال الثلاثينيات، عاد كثير من الأقباط لتأكيد هويتهم الجماعية، ففي الأربعينيات، أعاد سلامة موسى – الذي اشتهر يومًا بالاشتراكية والعلمانية – جريدة “مصر“ إلى جذورها كصحيفة قبطية، كما أسس حبيب جرجس حركة مدارس الأحد التي بعثت نهضة تعليمية وروحية بين الإكليروس والعلمانيين على السواء، وتحدثت الأديرة بفضل انضمام خريجي المدارس الثانوية والجامعات وبعض أصحاب الخبرات العملية، وكان جميع المرشحين العشرة لخلافة الأنبا يوساب من رجال حركة مدارس الأحد.
إن الاسم الأصلي للجمعية Les Amis des Eglises et de l’art coptes أصدقاء الكنائس والفن القبطي يكشف أنها كانت نسخة قبطية من جمعية “أصدقاء الفن” التي تأسست عام 1924، وكان الأمير يوسف كمال رئيسًا لها، أما رئيسها اللاحق، محمد محمود خليل، فقد أنشأ مجموعة اللوحات الأوروبية التي أصبحت اليوم في المتحف القومي الذي يحمل اسمه، وفي عام 1947 ضمّ مجلس إدارة جمعية أصدقاء الفن – والذي أصبح غالي عضوًا فيه لاحقًا – ستة باشوات، وستة بكوات، وستة أوروبيين، العائلات التي صنعت ثروتها قبل جيل أو جيلين بدأت الآن تُظهر بريقًا ثقافيًا، بعض أبناء الشخصيات البارزة أصبحوا فنانين بأنفسهم: واصف غالي بشعره الفرنسي، والمهندس المعماري رمسيس واصف (ابن رئيس مجلس النواب الوفدي)، والرسام محمود سعيد ابن رئيس وزراء، أما التسعون مصريًا وأوروبيًا الذين أسسوا جمعية أصدقاء الكنائس والفن القبطي، فقد ضمّوا كبار ملاك الأراضي، وبعض المهنيين، وقلة من العلماء المتخصصين، كان بينهم نحو اثني عشر باشا، وعشرون بك، وأميرين، وعدد من نبلاء أوروبا، وكان هناك خمسة مسلمين وأكثر من خمسين قبطيًا، ومن العلماء المحترفين الذين انضموا في البداية أو لاحقًا: عالم المصريات ه. يونكر، وسليم حسن، وسامي جبرة، وهنري دريوتون، وبيير جوغيه، ومؤرخو الفن الإسلامي ك. كريسويل وزكي محمد حسن، والمؤرخ الحديث محمد شفيق غربال، وقد قاد مريت غالي الجمعية لأكثر من خمسين عامًا، وكان أفراد عائلته من كبار المتبرعين.
كرّم غالي مرقص سميكة بعضوية في مجلس الإدارة، كما خدم ابنه يوسف سميكة، الباشا والمهندس في الري، طويلًا كأمين صندوق، أما والدة غالي – أرمينية من إسطنبول – فقد تبرعت بالأموال لتأطير أيقونات المتحف القبطي، ووالده ساهم أيضًا في دعم المتحف، وانضمام غالي إلى “اللجنة” في أوائل الأربعينيات منح الأقباط مقعدًا ثانيًا فيها إلى جانب سميكة وخلفائه في المتحف، ومنذ 1936 وحتى وفاته عام 1957، تولى شارل بشاتلي منصب السكرتير العام، وأقنع الجمعية بتغيير اسمها إلى جمعية الآثار القبطية Société d’Archéologie Copte، وحدد البحث والنشر كغرض أساسي لها، وأسس نشرة علمية وسلسلة من الاصدارات، وبدأ مكتبة متخصصة، كما نظّم معرضًا رائدًا للفنون القبطية، وأشرف على حفريات الجمعية في دير فيبامون بالأقصر، أما خمسينيات القرن العشرين، فقد جلبت أوقاتًا عصيبة لكثير من المؤسسات الثقافية التي نجت من النظام القديم، ومنها جمعية الآثار القبطية، لم يكن للجمعية رعاية ملكية تتفقدها، لكن كثيرًا من أعضائها الأوروبيين هاجروا، وسقط بعض المتبرعين المصريين في ضائقة مالية، وتضرر برنامج النشر، غير أن نواة صلبة من الأعضاء المصريين أبقت الجمعية قائمة؛ ففي عام 1959 كان عشرة من أعضاء المجلس الأربعة عشر من قدامى الأعضاء منذ عشرين عامً.
وقد حظيت الدراسات القبطية باهتمام محدود في الجامعة المصرية (لاحقًا جامعة القاهرة) كملحق لعلم المصريات، وكان الأقباط ميالين إلى المصريات بالفعل، فقد قام جورجى صبحي (1884-1964)، أستاذ الطب القبطي، بتشريح العديد من المومياوات مع إليوت سميث، ودرّس القبطية والديموطيقية بجانب الهيروغليفية، وبعد عام 1922، انفتح قسم الآثار على المصريين، وتخرجت أول دفعة من المصريات عام 1928، وكان أكثر من نصف أول ثلاث دفعات من الأقباط، كما كان أكثر من 40% من خريجي علم المصريات بين 1928 و1950 من الأقباط، أما افتتاح قسم الآثار الإسلامية أوائل الثلاثينيات فقد استقطب كثيرًا من المسلمين، بينما ظل الأقباط متمسكين بالمصريات، وقد خلف اثنان من خريجي المصريات الأوائل سميكة في إدارة المتحف القبطي: توجو مينا (1944-1949) وباهور لبيب (1951-1965) سُمّي توجو تيمنًا بالأدميرال الياباني الذي انتصر في الحرب الروسية–اليابانية (1904-1905)، أما “باهور” فهو الاسم الفرعوني الذي منحه إقلاديوس لبيب لابنه، وخلال إدارتهما للمتحف، شكّلت ترتيبات تحرير وترجمة المخطوطات القبطية المكتشفة في نجع حمادي عام 1945 محورًا رئيسيًا في العمل، لقد مثل وصول مينا تحولًا نحو الاحترافية، إذ درس في أوروبا وعمل عشر سنوات مساعدًا لسميكة. ومنذ ذلك الحين كان جميع مديري المتحف القبطي تقريبًا من خريجي قسم المصريات بجامعة القاهرة، ومن بين خريجي المصريات الأوائل برز لبيب حبشي وجرجس متّى، وقد خلف الأخير صبحي في تدريس القبطية والديموطيقية في الجامعة، أما عزيز عطية (1898-1988)، الأكبر سنًا بعشر سنوات، فقد دخل ميدان القبطيات من طريق مختلف؛ إذ تخرج في قسم التاريخ بالجامعة المصرية، ثم تابع دراساته العليا في أوروبا في التاريخ الوسيط، ودرّس في جامعة الإسكندرية، وفي عام 1954 أسس معهد الدراسات القبطية تحت رعاية البطريركية قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة، حيث أسس مركز الشرق الأوسط بجامعة يوتا وأشرف على تحرير الموسوعة القبطية.
يجسّد كل من مرقص سميكة ومريت بطرس غالي مرحلتين من علم الآثار القبطي، ارتبط كل منهما بنمط معين من الإصلاح الاجتماعي وبمرحلة من إعادة تقييم الأقباط لماضيهم، فقد عكس تركيز سميكة المبكر على الآثار القبطية سعي طبقة جديدة من المتعلمين والعلمانيين الأثرياء إلى استدعاء الماضي لتبرير محاولتهم انتزاع القيادة المجتمعية، إن ربط نسبهم بتسعة عشر قرنًا كأقباط، ومن ثم إلى المصريين القدماء، كان يمنحهم جذورًا في ماضٍ مجيد، ورأوا أن استعادة عظمة الماضي ممكنة فقط إذا تولت النخبة العلمانية – من ملاك الأراضي والمهنيين والموظفين – عبر المجلس الملي إدارة أوقاف الكنائس والأديرة والمدارس والأحوال الشخصية، تاركين لرجال الدين القيادة الروحية فقط، ويدخل قرار الملك فؤاد بتأميم المتحف عام 1931 في سياق اندماج الأقباط في الحياة الوطنية، لكن هذا تم بيد ملك مستبد وبطريرك تقليدي، لا بيد الوفد أو المجلس الملي المنتخب، ما يعكس حدود الدمقرطة والعلمانية في تلك المرحلة، أما جمعية الآثار القبطية بقيادة غالي، فتكشف أن رؤية سميكة لماضٍ قبطي – فرعوني مجيد – قد ترسخت بين أعيان العلمانيين الأقباط بحلول الثلاثينيات، وكان معظمهم يفضل أجندة المجلس الملي العلمانية، ويرى الأقباط شركاء للمسلمين في الأمة المصرية، ومع أن الدوائر الاجتماعية التي استندت إليها الجمعية كانت محافظة اقتصاديًا واجتماعيًا، فإن غالي مثّل أقلية إصلاحية دعت إلى إصلاح زراعي وتغييرات أخرى لتفادي الانفجار الاجتماعي، لكن النظام القديم حال دون هذه الإصلاحات، رغم أن غالي وجمعيته “النهضة” ساعدا في صياغة بعض أجندة نظام جمال عبد الناصر لاحقًا.
ومع ذلك، كانت أفكار غالي أكثر محافظة من أن يقبلها الضباط الأحرار، فاستُبعد هو وطبقته من الحياة العامة، وكما حدث مع مؤسسات ثقافية أخرى من العهد السابق، تضررت جمعية الآثار القبطية من رحيل الأوروبيين وأزمات أعضائها المصريين الأثرياء، وقد أطاح عبد الناصر بالطبقات العليا التي هيمنت على المجلس الملي والبرلمان، ونقل معظم وظائف المجلس إلى الدولة، لكن ارتباط الأقباط بالماضي القبطي والفرعوني تسلل إلى الطبقات الوسطى، وأحيت حركة مدارس الأحد الاهتمام باللغة القبطية والتاريخ والهوية المجتمعية بين العلمانيين ورجال الدين معًا، وهكذا استمرت الآثار والتاريخ والإصلاح الاجتماعي والهوية القبطية والوطنية مترابطة كما كانت في زمن سميكة وغالي.
-
عنوان المقال (بالعربية): الاكتشافات الأثرية، والتحول الاجتماعي، وأثرهما على الهوية الحديثة للأقباط (1854–1952)
-
عنوان المقال (بالإنجليزية): Archeology, Social Reform, and Modern Identity Among the Copts (1854–1952)
-
المؤلف: دونالد مالكولم ريد (Donald Malcolm Reid)
-
سنة النشر: 1995
-
نُشر ضمن كتاب: Entre réforme sociale et mouvement national: Identité et modernisation en Égypte (1882–1962)
